إغواء

قصة قصيرة للكاتب فراس المحيثاوي
إغواء
امتطى الحافلة.. جلس إلى جوار فتاة جميلة.. بدا غير مكترث بما حوله.. كأنّه مخلوق لنفسه.. فتح كتاباً وشرع يقرأ.
الفتاة التي لم تعتد مثل هذا السلوك المتجاهل, لملمت أشلاء دهشتها وأخذت تقيسه بنظرة متفحّصة إلى أن اعترضها عنوان الكتاب الذي بين يديه: (الحب في أزمنة الكوليرا).
جذبها العنوان وراح نمل الفضول يغزوها إلى أن فاجأت نفسها تسأله:
ــ ما مضمون هذا الكتاب؟
وبدلاً من أن يباغت كمألوف هذه المواقف, ثنى زاوية الصفحة التي وصل إليها وأغلق الكتاب بهدوء, ولبث بضع ثوان ينظر مباشرة في عينيها, ثمّ قال:
ــ إنّها رواية لماركيز, تتحدّث عن…..
حملها على بساط الكلمات, كان في صوته بحّة تخديريّة, شعرت كأنّها تصغي إلى أنغام قيثارة سحريّة, أو كأنّها مركب يتهادى على موجة, كان يتكلّم ببطء لكن بفواصل زمنيّة واحدة, بدا كمن ينثال هو نفسه كلاماً.
تحدّث عن الواقعيّة السحريّة، وعن أدب أمريكا اللاتينيّة، وعن, وعن…..
أدهشها أن يكون مفتاح انتقاله من اللامبالاة المفرطة إلى الاستغراق التام بمحدّثه مجرّد سؤال, لم تعبأ باستجلاء معلوماته, فقد تمكّنت منها متعة اكتشافه, وأخذتها لذّة الإيغال في تحليل شخصيّته, إنزاله من برجه العاجي وجعله مخلوقاً مأنوساً قريباً, تعرية روحه وطرحه مكشوفاً أمامها بعد أن كان لغزاً كتيماً.
وبرعم غرامه في قلبها.
***
في اليوم التالي, امتطى الحافلة.. جلس إلى جوار فتاة جميلة.. بدا غير مكترث بما حوله.. كأنّه مخلوق لنفسه.. فتح كتاباً وشرع يقرأ……

حقوق النشر محفوظة يرجى عدم الاقتباس أو الاستخدام دون موافقة دار النشر الخطية









