السجاد اليدوي في السويداء صناعة تراثية تتطلب إعادة إحيائها  

السويداء صورة وخبر ـ تقرير عمر الطويل

تعكس صناعة السجاد اليدوي أصالة الماضي، وعراقته كإحدى الصناعات التي تميزت بها محافظة السويداء قديماً، وعملت بها العديد من النساء بالاعتماد على أدوات تقليدية بسيطة.

ورغم التطورات التي دخلت في مجال صناعة السجاد تبقى صناعة السجاد اليدوي التي تحفظ الذاكرة الشعبية رائدة، ومميزة وتستهوي محبي التراث لأنها تعبر عن براعة الصانع وحرفته في التعامل مع المواد الأولية من الصوف الخالص أو القطن أو الحرير أو خليط منهما ودقة الصنع التي تعطيها إمكانية البقاء لفترة أطول مقارنة بالسجاد الآلي.

 السجاد اليدوي الذي يمتاز بمواصفات عالية من الجودة والإتقان والجمال بأشكاله، وألوانه، ونماذجه المتنوعة المعبرة عن التاريخ العريق للسجاد الشرقي آخذت صناعته بالتراجع، وأصبحت مهددة بالاندثار ما يستلزم دعم إعادة إحيائها، وجميع الجهود المبذولة في هذا الإطار انطلاقاً من أهميتها كتراث مادي.

وبحسب خبير السجاد اليدوي والباحث في التراث /هايل القنطار/ فإن سورية اشتهرت منذ القدم بصناعة المنسوجات بحيث تشير الوثائق التاريخية إلى أن الممالك السورية القديمة  مثل إيبلا، وماري كانت تصدر منسوجاتها إلى الممالك المجاورة، وما زالت شهرة الأقمشة الدمشقية كَالدامسكو والأغباني والبروكار، قائمة إلى اليوم مبيناً أنه إذا كان أبناء المدن قد برعوا في صناعة المنسوجات المشار إليها فقد أتقن أبناء الريف آنذاك صناعة السجاد بشقيه المعقود (الوبري) وغير المعقود(البلس والبسط …) وصنعوا منها أشياء كثيرة كبيوت الشعر والمفروشات، وأوعية الحبوب، وألبسة الخيول، وغيرها الكثير، لكن السجاد بشكله المعروف حالياً ازدهرت صناعته في عصر المماليك، وعرف كسلعة واسعة الانتشار في بلاط السلاطين، وكان يضاهي أفضل السجاجيد المصنوعة في إيران وما زالت متاحف الدول الغربية تحتفظ بنماذج منه – السجاد الدمشقي – إلى يومنا هذا، إلا أن هذه الصناعة خبا بريقها في عصر العثمانيين بعيد استدعاء المهرة من العمال إلى استنبول للعمل كنساجين، ثم عادت وانتعشت قليلاً بعد الحرب العالمية الأولى على يد الأرمن الذين وفدوا إلى حلب.

ومحافظة السويداء عرفت صناعة السجاد اليدوي كما بين القنطار مطلع القرن العشرين بعد عودة المنفيين من هضبة الأناضول، والذين جرى نفيهم وعائلاتهم عام (١٨٩٧) لمحاربتهم للجيوش العثمانية التي دخلت الجبل آنذاك بقصد إخضاعه لهم لافتاً إلى أن النسوة كن يجهزن كافة مستلزمات صنع السجاد اليدوي من صباغة الصوف إلى غزله فنسجه على نول خشبي وفقاً للطريقة التركية /العقد المزدوجة/، وكان السجاد آنذاك سميكاً نظراً لثخانة الصوف المغزول يدوياً.

ووفقاً للقنطار فإن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تبنت عام (١٩٦٢) مشروعاً لإنعاش الريف عبر تشجيع الصناعات الريفية وعلى رأسها السجاد اليدوي فأنشئت في البدء وحدة لصناعة السجاد في مدينة شهبا، وقسماً في مركز إنعاش الريف في صلخد وتم تأهيل مدربات لهذه الغاية حيث اعتمد في صنعه على الطريقة الإيرانية بدلاً من التركية أي العقدة المفردة بدلاً من المزدوجة، وذلك لتخفيف التكاليف من جهة، ولتسهيل التسويق باعتبار العقدة المفردة أكثر استعمالاً، والسجاد المصنوع منها أخف وزناً.

وبحسب القنطار فإن مختلف المواد الأولية التي كان يصنع منها السجاد محلية الصنع، وذات مواصفات جيدة لافتاً إلى أن محافظة السويداء صنعت سجاداً بقياسات متنوعة كما صنعت السجاد الدائري، واعتمدت الزخارف المحلية في كثير من تصاميمها إضافةً لتصنيع السجاد الحائطي، واللوحات الفنية وكانت تنتج نحو (٢٥ بالمئة)من السجاد اليدوي بالقطر  وصنعت غالبية سجاد قصر الشعب وبعض سجاد القصر الجمهوري في النصف الأول من عقد الثمانينات بالقرن الماضي موضحاً أن سجاد القصر الذي تجاوز طوله (٤ أمتار)كان يحتاج تصنيعه لأنوال خاصة لم توفرها الوزارة عندها عملت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بالسويداء على استنباط  طريقة خاصة لتصنيع هذه القطع  التي بلغ عددها العشرات ومنها سجادة صنعت في مركز بلدة عريقة طولها نحو (٢٨ متر).

وأضاف أنه نظراً لنجاح التجربة في السويداء بدأ تعميم وحدات الصناعات الريفية على قرى، وبلدات المحافظة، ووصل عددها نهاية السبعينات من القرن الماضي إلى (٣٦  وحدة) مشادة وعدد من المشاغل المستأجرة يعمل فيها قرابة (١٥٠٠عاملة) وقد ساهمت هذه الوحدات والمشاغل في تسريع عملية التنمية الريفية إلى أن بدأت صناعة السجاد اليدوي تتراجع مطلع تسعينات القرن الماضي في الوحدات لأسباب متعددة وصولاً لإغلاقها، ثم عادت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل خلال السنوات الأخيرة إلى تفعيل بعض الوحدات من خلال إحداث صناعات جديدة إضافة لبقاء العديد منها يعمل بالسجاد، والأمل معقود على قدرة المديريات في المحافظات على تجاوز المعوقات وقد تكون فترة إعادة الأعمار القادمة فرصة للنجاح.

وبحسب مدير الشؤون الاجتماعية والعمل بالسويداء  المهندس /سامر بحصاص/ فإن المديرية بدأت خلال الأعوام القليلة الماضية ببذل جهود لإحياء صناعة السجاد اليدوي عبر إعادة العمل بعدد من وحدات تصنيعها ضمن خطة وضعتها وزارة الشؤون لهذا الغرض مبيناً أن العمل يجري بتصنيع السجاد اليدوي حالياً عبر عشر وحدات تم إعادة العمل بها في قرى وبلدات خلخلة، وعرمان، وعيون، ومردك، وتل اللوز، وبكا، والغارية، وذيبين، وسهوة الخضر، والمزرعة يبلغ عدد العاملات فيها (٤٢ عاملة) منهن عاملات إنتاج، ومدربات، ومتعاقدات إضافة لرؤساء الوحدات فيما يوجد (٢٥ وحدة) مازالت متوقفة منها خمس وحدات تم استثمار موقعها لأغراض تنموية بشركات مع عدد من الجهات.

وبين المهندس بحصاص أن إنتاج الوحدات بلغ العام الماضي أكثر من (٣٢ متر مربع) فيما وصل العام الحالي لغاية تاريخه إلى نحو (٥٠ متر مربع) لافتاً إلى أن المنتجات جمعيها مباعة جراء الطلب عليها نظراً لتقانة العمل اليدوي، وما يحمله من جمالية وجودة، وإتقان بأشكاله، وألوانه، ونماذجه المتنوعة. ويواجه العمل بوحدات السجاد اليدوي كما ذكر المهندس بحصاص مجموعة صعوبات يتمثل أهمها بغلاء أسعار المواد الأولية في السوق المحلية، وعدم توفرها، ووجود كميات من الصوف، والقطن أصبحت غير صالحة للاستخدام جراء قدمها مؤكداً أهمية إعادة إحياء صناعة السجاد اليدوي كإحدى الصناعات التراثية القديمة، وحمايتها من الاندثار مقترحاً ضرورة العمل لتحديث آلات النول في هذه الوحدات المستثمرة، وزيادة أجور العاملات بما يتناسب مع الجهد الكبير المبذول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى