النور الإلهي وقلب الإنسان

قلب الإنسان
السويداء صورة وخبر ـ مقتطفات من كتاب نور الإله من سلسلة نور التوحيد ـ الشيخ سعود منذر
القلب في قواميس اللغة العربيّة
القاموس المحيط: القلب هو الفؤاد أو أخصّ منه، والعقل ومحض كلّ شيء.
لسان العرب: القلب تحويل الشّيء عن وجهه قلَبَه يقلبُه قلباً والقلب مضخّة من الفؤاد، قوله تعالى: “نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ” (194) سورة الشّعراء. أيْ نزل به جبريل عليه السّلام، على قلب النّبي فوعاه وثبّت في قلبه. وقد يُعَبّر بالقلب عن العقل كما في قوله تعالى: “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”. سورة ق 37. وقيل من له قلب أي تفهّم وتدبّر. وما سمّي القلب قلباً إلا لكثرة تقلّبه.
من المشاع بين النّاس أنّ القلب تتراوح معانيه بين الجانب العاطفيّ في الإنسان الذي يمثّل المشاعر الوجدانيّة من حبّ وكره وشجاعة وخوف وألم وفرح… الخ، وبين الجانب العقلانيّ الذي يمثّل الهداية والضّلال والإسرار والإعلان وإطاعة أوامر اللــه أو عصيانه وتلقّي الوحي والإلهام والتّذكّر والتّدبّر.
وأيضاً مشاعاً إنّ الطّبيعة الإنسانيّة تنقسم إلى قسمين: عاطفيّ وعقليّ ويُسند إلى القلب الجانب العاطفيّ في الإنسان ويُسند إلى العقل الجانب العقليّ ويمكن القول أنّ العقل يمثّل الإرادة والقلب يمثّل العاطفة وإنّه إذا تحرّك القلب بطل عمل العقل أي إذا طغت العاطفة على النّفس البشريّة سلبت الإرادة كلّ قواها لأنّه كما يُقال الحبّ أعمى.
من النّقاشات المثيرة للجدل هذه الأيّام، تلك التي تبحث فيما إذا كان العقل هو المتحكّم الوحيد في تصرّفات الإنسان أم يشاركه القلب؟ وهل الإنسان يفكّر بقلبه أم بعقله؟، لكنّ في الآونة الأخيرة، وضع العلماء حدّاً لهذا النّقاش، مجيبين عن أكثر الاستفسارات التي تراودنا.
هل للقلب تأثير على العقل؟
اكتشف العلماء أنّ تغيّر معدّل ضربات القلب، يؤثَّر على حكم الإنسان، واتخاذه للقرارات، ومدى عقلانيّة تصرّفاته في الأمور المختلفة، فعمليّة التّفكير واضطراب معدّلات ضربات القلب يعملان جنباً إلى جنب للوصول إلى حلول منطقيّة للمشكلات المعقدة؛ التي تواجهه، فالشّخص الذي لديه معدّل أكبر في ضربات القلب والقدرة على التّفكير في المشاكل من منطلق أبعد، يمتلك قدراً أكبر من الحكمة والعقلانيّة. ولا تكون عمليّة التّفكير مرتبطة فقط بالقدرة المعرفيّة والعقل بل أيضاً بالجوانب النّفسيّة، وهنا يتّضح لنا أنّ للقلب تأثيراً على العقل.
إذاً فثمّة علاقة فيزيولوجيّة بين معدّل دقّات القلب والتّفكير، أبرزتها دراسة نُشرت في مجلّة فرونتيرز، تبيّن أنّ التّصرّف بحكمة يتضمّن القدرة على إدراك حدود المعرفة؛ التي يتمتّع بها شخص ما، بالإضافة إلى محاولة إيجاد نقاط تلاقٍ بين وجهات النّظر المختلفة واستيعابها.
وبيّنت الدّراسة أنّ الشّخص الذي لديه تباين أكثر في معدّل ضربات القلب، أظهر أداءً مذهلاً في الوظائف التّنفيذيّة للعقل مثل الذّاكرة، ولكنّ ليس بالضرورة أن يكون أكثر حكمة، ففي الواقع هناك أشخاص لديهم مهارات معرفيّة ورغم ذلك يتّخذون قرارات غير متّزنة، فالشّخص الذي لديه تباين في ضربات القلب ينبغي عليه إغناء قدراته المعرفيّة من خلال التّخلّي عن وجهات النّظر الأنانيّة المتحيّزة، ممّا يجعله يفكّر بطريقة حياديّة متّخذاً بذلك القرارات السّليمة. وأيضاً هذا مرتبط بعلاقة العقل الكلّيّ، والعقل الجزئيّ.. فالعقل البشريّ هو العقل الجزئيّ الذي صمّم، لكي يكون قادراً – مع تفاوت في القدرة بين عقل إنسان وعقل إنسان آخر – على تفسير النّصوص التي وردت في العقل الكلّي، وعلى الأخذ منها، والاستنباط لكي يكون قادراً على البحث في أشياء الكون كلّه، والعقل الكلّيّ يبيّن للعقل الجزئي ما لا يستطيع الاهتداء له بذاته.
فالإنسان مُرَكَّبْ مُعَقَّدُ الْتَّرْكِيْبُ، تَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِيْنَ، مكوّن من العقل (نور الله وكلمته) والنّفس الكليّة والنفحة الإلهيّة (الْرُّوْحُ) ومن الجسد الماديّ الذي هو الآلة التي تقوم وتظهر بها الأفعال.
﴿عَلَّمَ الإِنسانَ ما لَم يَعلَم﴾ [العلق: ٥]
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]
فالْرُّوْحُ لَيْسَتْ مَسْؤوْلَةً عَنْ أَخْطَاءَ أو ذُنُوْبٍ أو سَيِّئَاتِ مَا ارتكبه الإِنْسَانُ مِنْ ظُلْمٍ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْنَّاسَ، وَمِنْ مَعْصِيةٍ أو فَسَادٍ وَظُلْمٍ في الأَرْضِ، لأنّ الْرُّوْحَ كَمَا قُلْنَا مِنْ أَمْرِ الله، والله لا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَبِالْمَعْرُوْفِ والإِحْسان.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ وَإيتاءِ ذِي القُربى وَيَنهَى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرونَ﴾
[النحل: ٩٠].
الإنسان في الحياة الْدُّنْيَا يَخْتَارُ وَيُفَاضِلُ بين الأسباب الْمُتَاحَةَ له والتي سَخَّرهَا الله له بِمُوْجَبُ العقل في الاختيار بين الأسباب وما يُنَاسِبُهُ ويجازى على أعماله ((فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره))
إِذَاً لماذا وكَيْفَ يَعْصِي الإنسانُ رَبَّهُ في الْدُّنْيَا…؟
قلنا سابقاً أنّ الإنسان مكوّن من العقل الجزئيّ والْنَّفْسِ الجزئيّة المُرَكَّبَةً مِنْ الْشَّهَوْات، وَالْرُّوْحِ (النفحة الإلهيّة). وَالْجَسَدُ الماديّ وَالْنَفْسُ الجزئيّة مَجْبُوْلَةٌ على حُبِّ الْشَّهَواتِ، فَكُلُّ إنسانٍ يُمْكِنُ أن تكون نفسه إِمَّا نَفْساً مُطْمَئِنَةً أو نَفْساً أَمَّارَّةً بِالْسُوْءِ أو نَفْساً لَوّامةً. فالْشَّهْوَةُ تَحْتَاجُ إلى مَنْ يُغْرِيْهَا وَيُزَيِّنُ لها الشيء فتطلبه، ولهذا كانت الْزِّيْنَةُ مِنْ أَجْلِ الْشَّهْوَةُ، زُيِّنَ لِلْنَّاسِ حُبُّ الْشَّهَواتِ… ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾.
[آل عمران: ١٤]
فَالْزِّيْنَةُ هُنَا إِظْهَارِ الشّيء بِمَا يُغْرِي أو يُغْوِي الْنَّفْسَ على الإِتِّبَاع أو الابْتِدَاع والذي يغوي النّفس و يزيِّن لها هو إبليس والشّيطان ليبعداها عن سيّدها العقل، فتعصي أوامره وبهذا تنشأ الحجب بينها وبين العقل وبالتّالي بينها وبين الخالق .
إذاً مَكْمَنُ الْشَّهْوَةُ قائم في الْنَّفْسِ، والجسد آلةُ التّنفيذ للأفعال.
لِهَذَا يَلْجَأُ الْشَّيْطَانُ بإغراء وإغواء الْنَّفْسَ الْبَشَرِيِّةَ، فَيُزَيِّنُ لها الخطيئة وفعل الْمُنْكَرُ فَتَحْسَبَهُ عملاً صالحاً واختياراً مُوَفَّقَاً، فتختاره الْنَّفْسُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أَغوَيتَني لَأُزَيِّنَنَّ لَهُم فِي الأَرضِ وَلَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعينَ﴾ [الحجر: ٣٩]
فالْدُّنْيَا زَيَّنُة لِلْنَّاسَ ليختاروا من هذه الْزِّيْنَةَ مَا هُوَ حَلاَلٌ مِنْهَا، وَيَتَجَنَّبُوْا الْمُحَرَّمَاتِ، لا يَأْكُلُوْن مِنْ تِلْكَ الْشَّجَرَةِ ولا يَقْرَبُوْنَ مِنْهَا – أيْ لا يقربون الْمُحَرَّمَاتِ – فالشّجرة رمز لِلْمُحَرَّمَاتِ.
﴿إِنّا جَعَلنا ما عَلَى الأَرضِ زينَةً لَها لِنَبلُوَهُم أَيُّهُم أَحسَنُ عَمَلأ﴾ [الكهف: ٧]
فَالْزِّيْنَةُ هي زُخْرُفُ الْحَيَاةِ، فَالْزُخْرُفَةُ تَصْوِيْرِ لواقع مُخْتَلِف الغرض للْتَأْثِيْر به على الْنَّاسِ.
ولهذا يُزَيِّنُ الْشَّيْطَانُ الْحَرَامَ وَالْمُحَرَّمَاتِ لِلْنَّاسِ عَبْرَ الإِغْوَاءِ وَالإِغْرَاءِ لجميع الْمُحَرَّمَاتِ لِلْنَّاس لِيَقَعُوْا فيها، وَمَا كان لِلْشَّيْطَان على الْنَّاس مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أن دَعُوْهُمْ بأن زَيِّنَ لَهُمْ الْظّلْمُ وَالْفَسَادَ فَاتَّبَعُوْهُ، وَمَا يَعِدُ الْشَّيْطَانُ الْنَّاسَ إِلَّا غُرُوْراً وَكَذِبَاً… ﴿يَعِدُهُم وَيُمَنّيهِم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ إِلّا غُرورًا﴾ [النساء: ١٢٠]
﴿الشَّيطانُ يَعِدُكُم الفَقرَ وَيَأمُرُكُم بِالفَحشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغفِرَةً مِنهُ وَفَضلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]
و بعدَ أنْ يُوصلَهُمْ الْشَّيْطَانُ إلى الْنَّارِ، يَنْكُثُ وَيَنْكُصُ على عَقِبَيهِ، وَيَقُوْلُ لِمَنْ غَرَّرَّ بِهِمْ، إِنِّيْ بَرِيْءٌ مِنْكُمْ إِنِّيْ أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِيْنَ، بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ لِمَنْ أَغْوَاهُ الْشَّيْطَانُ.
﴿كَمَثَلِ الشَّيطانِ إِذ قالَ لِلإِنسانِ اكفُر فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنّي بَريءٌ مِنكَ إِنّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمينَ﴾ [الحشر: ١٦]
﴿ وَقالَ الشَّيطانُ لَمّا قُضِيَ الأَمرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ، وَوَعَدتُكُم فَأَخلَفتُكُم وَما كانَ لِيَ عَلَيكُم مِن سُلطانٍ إِلّا أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لي فَلا تَلوموني وَلوموا أَنفُسَكُم ما أَنا بِمُصرِخِكُم وَما أَنتُم بِمُصرِخِيَّ إِنّي كَفَرتُ بِما أَشرَكتُمونِ مِن قَبلُ إِنَّ الظّالِمينَ لَهُم عَذابٌ أَليمٌ﴾
[إبراهيم: ٢٢]
اعْلَمُوْا عِلْمَ الْيَقِيْنَ، أنّ أكثر العباد خشية من الله هم الْعُلَمَاءُ، الذين استخدموا عُقُوْلَهُمْ، وهذا ممّا أَلْهَمَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ بِنِعْمَةِ العقل نور الله عَزَّ وَجَلَّ، والعلماء أَكْثَرُ الْنَّاسِ خَشْيِّةَ لله بعد الملائكة والأنبياء، لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُوْنَ الله بِعُقُوْلِهِمْ، وَيَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السّماوات والأَرْضَّ، ويقولون سُبْحَانَكَ يَا رَبُّ مَا خَلَقْتَ هذا الكون بَاطِلاً، مَا خَلَقْتَهُ إِلَّا بِالْحَقِّ…
﴿ إِنَّما يَخشَى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ غَفورٌ﴾
[فاطر: ٢٨]
فَبِذَلِكَ شَرَّفَ الله الْعُلَمَاءَ بِنُوْرِ الْعِلْمِ الذي استمدّوه من علم العقل الكلّيّ الذي هو نور الله.
﴿اللَّهُ نورُ السَّماواتِ وَالأَرضِ مَثَلُ نورِهِ كَمِشكاةٍ فيها مِصباحٌ المِصباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوكَبٌ دُرِّيٌّ يوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيتونَةٍ لا شَرقِيَّةٍ وَلا غَربِيَّةٍ يَكادُ زَيتُها يُضيءُ وَلَو لَم تَمسَسهُ نارٌ نورٌ عَلى نورٍ يَهدِي اللَّهُ لِنورِهِ مَن يَشاءُ وَيَضرِبُ اللَّهُ الأَمثالَ لِلنّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ﴾ [النور: ٣٥]
أيُّها الإنسانُ عليك أن تعلم الحقيقة، قد يكون لديك علمٌ بها وقد تجهلها. أنت لم تنبعْ من جزء ماديّ كما هو شائع ومتداول. إنّ هذا الجسد الذي نَشَأْ منها والتي هي ثمرة اجتماع أبيك بأمّك ليست هي بدايتك. فأنت نشأت من زمنٍ بعيد من مجال الطّاقة الكونيّة (العقل الكلّيّ)، شأنك شأن كلّ الجزئيّات. أنت جزء من العقل الكلّيّ، ويجب أن تكون قادراً على رؤية القدرة الإلهيّة داخلك، يجب أن تنظر إلى نفسك بصفتك مخلوقاً روحيّاً لكي تتواصل مع طاقة الحياة.
أنت جزء من القدرة الإلهيّة. أنت مخلوق حيٌّ يتنفس، مخلوق انبثق من العقل الكلّي. أنت نفحة من الله لهذا يجب أن تبقى على الصّراط المستقيم موحّداً طائعاً لأمر الخالق.
إنّ مشاعر الانفصال التي تولّدها الأنا هي التي تغذّي شعورك بالتّنافس مع الغير وتقديرك لقيمتك بناءً على مستوى ما تحقّقه من انتصارات. أنت إن بقيت أسير الأنا، فسوف تفقد احترامك لذاتك لأنّك سوف تدين نفسك على كلّ فشل. إنّ هذه الصّورة القاتمة -التي تفرزها الأنا السلبيّة- هي سبب رفضك لذاتك. إنّها تستحوذ عليك وتأسرك وتمنعك دائِماً من أن تكون ضيفاً في المصدر الذي انبثقت منه.
إنّ كونك ضيفاً على العقل يعني رؤية الرّابطة الحقيقيّة التي تصلك بالمصدر، إنّه إدراكك بأنّه يستحيل عليك أن تنفصل عن المصدر الذي انبعثت منه. علينا أن نستمتع بكوننا ضيوفاً في رحاب العقل متّصلين مع الخالق من خلال الواسطة والوسيلة (العقل).
بمحبّتك واحترامك لذاتك، وباستعانتك بالقدرة الإلهيّة سوف تستدعي طاقة الخلق في حياتك اليوميّة وتتواصل معها.
يتبع: القلب وعلاقته بالعقل كما ورد في القرآن الكريم










