النور الإلهي ونور القلب

الباب الأول من سلسلة نور التوحيد (نور الإله)
عندما نتكلّم عن نور القلب، يعتقد كثير من الناس أنّها ليست حقيقة علميّة، هل هناك نور في القلب؟ .هل النّور يخترق الجسم ويدخل إلى القلب؟ وهل النّور بداخلنا أم خارجنا؟ أسئلة كثيرة تدور في ذهن الإنسان.
هناك نظريّات تقول إنّ كلّ شيء موجود في الخارج كاللون والضّوء والصّوت، والعين كحاسّة تلتقط الذّبذبات التي تأتي نتيجة هذه الأشياء، ثم بعد ذلك يقوم المخّ بإعادة تكوينها مرّة أخرى.
وهناك نظريّات أخرى تقول أنّه لا يوجد في الخارج ألوان ولا أصوات ولا شيء.
إنّما هي كلّها مؤثّرات ذبذبيّة فقط، والمخّ هو الذي يعطي اللون ويعطي الصّوت.
لنتخيّل أنّ معنا مخروطاً زجاجيّاً على شكل هرم مثلاً ويأتي عليه نور من ناحية معينة فينقسم إلى ألوان مختلفة في زوايا مختلفة لكنّ النّور الحقيقيّ غير مرئيّ بالنسبة لنا، والزّجاجة هي التي تجعلنا نرى الألوان.
فالألوان موجودة بكاملها داخل النّور المنعكس الذي لا نراه ولكن نرى انعكاساته على الزّجاج فالنّور عبارة عن موجات تضرب الأشياء وتنعكس وتأتي على أعيننا فالعين تلتقط هذا النّور وتنقله إلى العصب الدّاخلي الصّاعد إلى المخّ، والمخّ هو الذي يعطي الألوان، وكأنّ المخّ يقيس تأثير الذّبذبة على الإنسان، ويعطينا إيّاها بمقاييس لونيّة، بمعنى لو أنّ هذا التّأثير زاد من الطّاقة عندنا، فالمخّ يعطي لوناً أحمرَ، وإذا قلّلها يعطي لوناً أزرقَ، وإن لم يفعل بها شيئاً يعطي لوناً أخضرَ من خلال مركزٍ وراء الدّماغ، وهذا يعني أنّ الألوان تأتي من المخ.
نستطيع القول أنّ الكون فيه كمّية كبيرة جدّاً من العوالم المختلفة والذّبذبات المختلفة، وهدف العين عندنا ليس أن ترى كلّ شيء، إنّما هدفها التركيز على منطقة محدّدة، التي يحتاجها الإنسان في حياته، لأنّ لو كانت العين تلتقط كلّ شيء سوف يحدث تشويشاً ولن يتمكّن من رؤية أي شيء نهائيّاً، وبما أنّ الألوان آتية من مخّ الإنسان، فالكائنات المختلفة سترى الأشياء بذبذبة وألوان مختلفة طبقاً لما هو مدرك بالنسبة لها من داخل المخّ.
فبعض الحيوانات مثلاً ترى أشياءَ لا نراها نحن وتتحرّك بناءً عليها. إنّ الألوان موجودة في الخارج، والمخّ عندنا يُعيد تركيبها. فالطّبيعة في الخارج لو أخذناها بكاملها، نجد فيها كلّ لون وعكسه، فليس لها لون لأنّها وضِعت كلّها مع بعضها فتكون مثل النّور الطّبيعيّ الذي ليس له لون ولكنّ فيه كلّ الألوان وإلاّ كانت كلّ الكائنات ترى الكون بنفس الألوان وهذا غير صحيح.
إذاً النّور شيء يتكوّن في داخل المخّ من ذبذبة آتية إليه وبناء عليه تتكوّن الصّور والألوان، هذا بالضّبط مثل السّينما، فعندما نذهب إلى السّينما وننظر إلى الشّاشة التي أمامنا، فإنّنا نشاهد الفيلم بأحداثه من خلال النّور الذي ينبعث من خلفنا الذي يعطى الصّورة من خلال جهاز العرض الـ(projector) ، والمخّ عندنا فيه نفس هذا الأسلوب. فالمخّ يستطيع أن يُشِعّ العالم المُدرك الذي هو أصلاً داخل المخّ، يستطيع أن يُشِعّه خارجنا. هذا الإشعاع معروف باسم التّأثير المجسّم
(Holographic Effect).
السّؤال هو: لو أنّ العالم صادر من داخلي، فكيف أستطيع أن أتحكّم به؟
لو عُزفت نوتة موسيقيّة، فالنّوتات الأخرى تصنع رنيناً معها، ولو أني بمفردي في الكون وأعزف نوتة واحدة فعندما أتوقّف عن العزف فإن الصّوت يتوقّف، لكنّ لست وحدي في هذا الكون الذي يعزف أو يتحدّث فملايين بل مليارات أو أكثر من المخلوقات كلٍّ يعزف أو يتحدّث، إذاً يوجد نوتات مختلفة، هذا يؤدّي لحدوث رنين، وعندما تتوقّف يظلّ هناك صوتاً ضعيفاً، لأنّها ستحدث رنيناً مع كل مثيلاتها في الكون.
لذلك عندما يرى عدد كبير من النّاس نفس الشيء فإنّ بعضهم يؤثّر على بعض.
بسبب أنّ العالم المُدرك للإنسان كلّه واحد، ولأنّني لست في الكون وحدي فأيّة حركة أقوم بها لا بدّ وأنّ الكون كلّه يتحرّك وفقا لقانون الرّنين، وبالتّالي فإنّ الإنسانيّة كلّها تتأثّر ببعض وتكوّن رؤية جماعيّة.
من أين جاء النّور الذي بداخلنا؟
العلوم القديمة تُقسِّم الأشياء إلى خصائص نوعيّة، مثلاً: مائي، هوائي، أرضي، ناري. نحن نعرف أنّ النّور مرتبط بالنّار، وبما أنّ الشّمس كتلة من النّار، فهي التي تعطينا التّأثير الذي نراه كنور.
فأين يوجد المركز النّاري الذي كالشّمس في جسم الإنسان؟
أكثر مكان فيه الدّم يكون هو المركز النّاري، لأنّ للدّم خاصّيّة ناريّة. فنجد أنّ هذا المركز في الإنسان هو الكبد كمصنع للدّم ثم ينقله إلى القلب الذي يقوم بتوزيعه وضخّه إلى باقي الجسم بشكل دقيق. و لو كان الجسم فيه نور، فيجب أن يكون هناك علاقة ما مع القلب.
فالمخّ فيه غدَّة اسمها الغدّة الصّنوبريّة هذه الغدّة شكلها مثل العين، لكنّها عينٌ داخل المخّ، فما وظيفة هذه الغدّة التي تشبه العين؟ وماذا ترى؟.
وجد العلماء أنّها تشعر من خلال عدسة تشبه العين بالنّور أو الذّبذبة التي تشاهدها كنور، وعندما تشعر بالنّور توقف فرز مادة الميلاثونين وهي المنوّم الطّبيعيّ فيستيقظ المخّ ويتنبّه ويبدأ نشاط الإنسان لذلك عندما نسهر في الليل كثيراً في قراءة الكتب أو أمام شاشة التّلفاز أو أمام الكمبيوتر فهذه الغدّة لا تفرز المادّة المنوّمة ونصاب بحالة القلق، كذلك لو كان هناك أمامها أيّة مجالات كهربائيّة لا تفرز هذه المادّة، والعكس صحيح في حالة عدم إحساسها بالضّوء تفرز هذه المادّة ويهدأ المخّ وتبدأ عملية النوم. هذه الغدّة في العلوم القديمة تسمّى العين الثالثة. البعض أشار إليها على أنّها في جبهة الإنسان، وذلك لأنّه كان لا يدري أنّها داخل المخّ.
وهى حسّاسة للضّوء. هذه العين الثّالثة مثلما تشعر بالضّوء الخارجي فهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع القلب، أي مع الذّبذبة المكوّنة له والتي تعطيها النّور المتولّد من المركز النّاري في القلب، والقلب أيضاً تتركّز فيه الطّاقة المنظّمة الموجودة في أماكن العبادة، وهذه هي العين الثّالثة التي تتفتّح وتتلقّى الطّاقة الروحيّة من المستويات العليا، وحيث أنّها متّصلة بالقلب في الرؤيا فإنّها تنقّي الذّبذبة النّاريّة الموجودة بداخل القلب وتصبح ذبذبة نوريّة، ويصبح القلب مثله مثل الأماكن المقدسة، إذاً وظيفة هذه الغدّة هي تنقية ذبذبات القلب النّاريّة لتحوّلها إلى نور داخلي مرتبط بكافّة المستويات الروحيّة العليا، وكلّما زادت العبادة تفتّحت هذه الغدّة أكثر وزاد اتّصالها بالمراكز الروحيّة وزادت نوريَّة القلب فيشعّ هذا النّور ويغمر الجسم كلّه ونحسّ وكأنّنا في أماكن العبادة.
ونور القلب الذي لا نراه هو خارج الزّمان والمكان عندنا. وهو النّور الذي ينزل في جسم الإنسان ويكون محلّه في القلب، وكأنّ قلب الإنسان انشقّ فنزل فيه نورٌ، هذا النّور فيه إدراك لأنّ به كلّ معلومات الكون مشفَّرة، لذلك يقول النّاس القلب يَعقل.
فلو أنّ معاملات الإنسان مع الكون حدث فيها خلل فإنّ هذا النّور سيحدث فيه خلل، وبالتّالي سيختلّ الجسم كلّه. قال الرسول محمد (ص): “إنّ في القلب مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه”.
المضغة هنا المقصود بها الغُدّة التي تعطي القلب نبضه، وعندما ينضبط نبض القلب، يعنى ذلك أنّ الإنسان والكون في تناغم تامّ لأنّ الإنسان لا يعيش وحده فهو جزء من سيمفونية متكاملة .
إذاً نبض القلب مهم جدّاً في تنظيم حركة الحياة للإنسان.
هناك عدد كبير من المتعبّدين، والأولياء والصوفيّة، يبدأ بضبط التّسبيح مع نبض القلب، فتزيد النّوريّة في نبضة القلب ويضبطها مع النّفس فتُزيِد نوريّة الجسم، وتظهر في وجهه وأفعاله. هذا الكلام كلّه نسمعه ونقرأه في الكثير من الكتب، وفي جميع أنحاء العالم، بأنّ النّور أصله في القلب، فمن أين يأتي النّاس بهذا الكلام؟ قد يوجد شخص من الصّين ذَكَرَ هذا الكلام منذ خمسة آلاف سنة والثّاني من ألفي سنة في المكسيك، ونجده في برديّات قديمة في مصر، إذاً هناك حقيقة وراء ذلك الكلام، علينا أن نعلم أنّ هذه حقيقة والقلب يعقل، وعلم الكون كلّه موجود ومشفّر في الكون، يدخل منه إلى المخّ – لأنّ المخّ مركز استقبال وإرسال – فيبدأ بالتّذكّر، لذلك كان من الضّرورة إدراك هذه الحقيقة والعمل على نقاء القلب حتّى يستطيع الإنسان أن يحيا حياة إلى حد ما متوازنة.
وخلاصة القول: أنّ العقل الكونيّ (العقل الكلّيّ الذي هو نورٌ من النّور الإلهيّ) هو مولدٌ للذّبذبات بقدرات عالية جداً (محطّة إرسال واستقبال) وهذه الذّبذبات تحمل جميع العلوم والخصائص بما فيها النّور ويبثّها في هذا الكون وأجسامنا الحاملة لحقيقتنا هي عبارة عن أجهزة استقبال وإرسال أيضاً ولكن بقدرات محدودة تستقبل الذّبذبات من المحطّة الرّئيسة (العقل الكلّيّ) وتقوم بمعالجة وتحويل وكشف المعلومات التي تحملها وتفعيلها داخلنا فإذا كانت هذه الذّبذبات تحمل نوراً فسيتولّد بداخلنا نورٌ يتمثّل في القلب لأنّه مهيّأٌ لذلك، وإذا كانت الذّبذبات تحمل معلومات فسوف تتفّعل وتخزّن في أجزاء من المخّ مخصّصة لذلك وهذه المعلومات تكون إمّا صوراً أو أصواتاً أو أوامرَ أو نواهيَ.
فإذا كانت المعلومات أوامرَ ونواهيَ تحتاج لتنفيذ مباشر فإنّ المخّ سيعطي أوامر لأعضاء الجسم لتنفيذ تلك الأوامر مباشرةً. والعلاقة بيننا وبين العقل الكلّيّ دائمة لا تنقطع إلاَّ في حالة موت الجسد، وخروج حقيقتنا منه، ويتجدّد الاتّصال بعد انتقالنا إلى جسد جديد (التّقمّص). فالنّور بداخلنا يتولّد بالتّأثير من خلال النّور الكلّيّ (العقل الكلّيّ) ولكي يتولّد النّور في داخلنا يجب إزالة كلّ الحجب التي تمنع ذلك .
أمّا مفهوم الرّؤية الحسّيّة بشكل مختصر عند الإنسان، وكيف يحدث، فهو أمر مختلف فهناك رؤية مباشرة وهناك رؤية غير مباشرة.
الرؤية المباشرة: إنّ جسم الإنسان الماديّ مجهّز بخمس حواسّ ماديّة لها آليّتها في العمل، وجهاز الرؤية واحد منها، مكوّن من العين الحاوية على فتحة لدخول أشعّة الضّوء، قابلة للتّضيُّق والاتّساع حسب شدّة هذا الضّوء وعدسة مجمّعة لأشعّة الضّوء والشّبكيّة (المؤلّفة من خلايا مخروطيّة وخلايا على شكل قضبان مهمّتهما تمييز الألوان) وعصب بصري ينقل الإشارة إلى مركز الرؤية في الدّماغ وهذا المركز يقوم بتحليل الإشارات القادمة ويفعّلها بأبعادها الثّلاثيّة. الرؤية غير المباشرة تتمّ من خلال استرجاع صور مخزّنة في الذّاكرة المختصّة بالصّور، ويتمّ تخيّلها دون استعمال حاسّة الرؤية. وقد يتمّ مشاهدة أجسام بعيدة عنّا من خلال وسائط (كمرات تصوير تنقل مباشرة عبر الأقمار الصّناعيّة إلى شاشات التّلفاز أو الكمبيوتر أو الموبايل) ولكنْ هنا نستعمل حاسّة الرؤية لأنّنا نشاهد الصّورة على شاشة التّلفاز أو الكمبيوتر أو الموبايل.










