ضفة الموت : قصة قصيرة

كريما بيضاء للكاتب فراس المحيثاوي ـ السويداء صورة وخبر
السويداء 25 حزيران 2023
((1))
الصوت، بدا بعيداً جدّاً..
هند اختلطَ عليها الأمر.
لم يكن فارس أوّل من تقدّم لخطبتها ـ هي التي طالما فتنت الآخر بغرابتها ـ لم تكن ذات جمال باهر، لكن هناك دائماً في ملامحها.. في نبرة صوتها.. في أسلوب حديثها.. في إيماءاتها شيء مختلف؛ شيء يجعل المرء خاضعاً لسلطان حضورها القويّ. ممّا جعلها محطّ أنظار العزّاب.
الذين تقدّموا لخطبتها قبل فارس، جمع بينهم قاسماً مشتركاً؛
ـ جميعهم انسحبوا من حياتها دون أن يشرحوا السبب!
ـ جميعهم قرّروا إنهاء حياتهم بمحض اختيارهم !!
هند , لم يغضبها أبداً تخلي هؤلاء الشبّان عنها , و حين كانت تُسأل عن سبب الافتراق ، كان جوابها واحداً :
ـ لقد أحبّني بعنف، لذا؛ لم يستطع المتابعة
ومهما حاولوا دفعها لقول المزيد، فإنها كانت تعتصم بالصمت.
وهكذا، بعد أن كانت هند فتاة أحلام الجميع، أصبح مجرّد التفكير في التقرّب منها في عداد المستحيل.
كان فارس أبلهُ القرية، غير أنّه أبلهٌ من نوع فريد، فقد كان شديد التأنق، على قدرٍ لا بأس به من الوسامة، متكلّم مفوّه، ولولا بضع تصرّفات شاذّة وشطحات متكرّرة؛ لكانت خفّة ظلّه لتجعل منه شخصاً مرموقاً في الوسط الاجتماعي للقرية.
ولكن، ينبغي الإقرار بأنه يغدو بحضور هند شخصاً مختلفاً، شخصاً رصيناً متّزناً، شخصاً قادراً على استلاب محدّثه بمهابته ووقاره!
لم يجد حجر عثرة في طريق خطبته لهند؛ إذ ما من قريب يردع، أو صديق ينصح. لقد جاء واستقرّ في القرية دون ماضٍ واضح.
وبما أن هند دخلت سن العنوسة حسب عرف القرية السائد؛ فإن ذويها تجاهلوا مسألة بلهه، حتى أنهم أصبحوا يشيدون بمواصفاته النادرة المثال!!!
قصة حب هند وفارس غدت أمثولة على مستوى القرية وما يجاورها من القرى فالشغفُ الواضح المتبادل بينهما أخذ بعداً شبه مطلق.
غير أنه حين كانا يُسألان عن موعد زفافهما تتغيّر ملامحهما ويكسو الألم وجهيهما ويلتزمان الصمت.
إلى أن جاء يوم فاجأت هند الجميع فيه بقرار التخلي عن فارس.
قرار بلغ من العناد مبلغاً جعل كل من يناقش هند في أسبابه يتلقى نظرة باردة تعقد لسانه وتجعله يحجم عن محاولة ثانية.
((2))
الصوت بدا بعيداً جداً..
هند اختلط عليها الأمر.
شوهدت هند تتدلّى من أنشوطة معلقة في سقف غرفتها.
فارس لم يعد مجنوناً، كان هادئاً جداً حيالَ الخبر وكانت ملامحه محايدة، ولم يحضر جنازتها، ولم يَزر قبرها أبداً، وحين سأله أحد الأشخاص عن سبب الفراق، أجاب بأعصابٍ باردة:
ـ لقد أحبّتني بعنف لذا لم تستطع المتابعة.

حقوق النشر محفوظة يرجى عدم الاقتباس أو الاستخدام دون موافقة دار النشر الخطية
تطلب المجموعة من دار الغطريف للنشر والترجمة ـ شرقي المحافظة 999047550 963+









