عيد الأم وعلاقته بعيــد الخصب والأمـومــة

محمد قاسم الخليل ـ بقلم : 

يتوافق عيد الأم في سورية مع بداية فصل الربيع في الحادي والعشرين من آذار، وقد بدأ الاحتفال به في عدد من الأقطار العربية منذ مطلع الخمسينيات، بعد أن عمّت الاحتفالات به أغلب بلاد العالم،

وانتشرت فكرة الاحتفال بعيد الأم بشكل واسع ابتداء من عام 1948 في أكثر من أربعين دولة.‏

إن الاحتفال بعيد الأم فكرة حديثة نسبياً في أوروبا وأميركا ولكنها في سورية والشرق العربي تضرب في أعماق التاريخ، وكان الذين قرروا الاحتفال بعيد الأم منذ نحو ستين عاماً في 21 آذار من الذكاء بمكان عندما جعلوه في هذا الوقت من العام، فهذا اليوم عند السوريين القدماء يوم بداية الخصب النباتي والإنساني.‏

وعززت القيم الدينية تقديس الأم، حيث وردت نصوص كثيرة تحث على إطاعة الوالدين والإحسان إليهما، كما وردت أحاديث خاصة تحث على البر بالأم.‏

واتخذ الاحتفال بعيد الأم في سورية طابعا إعلاميا واسعا منذ منتصف الخمسينيات، فظهرت أغاني الأم مثل ست الحبايب، وبثت الإذاعات برامج خاصة، وكانت المدارس توقف الدروس لتحتفي بهذه المناسبة.‏

وأصبح عيد الأم يوم عطلة رسمية منذ نحو ربع، وتعد سورية من بين دول معدودة تعطل فيها المدارس والدوائر الحكومية بهذه المناسبة ليتسنى للعاملين في الدولة زيارة أمهاتهم.‏

وعودة إلى التاريخ كان هذا الاحتفال بمباركة الأمومة في سورية يرتبط بعشتاروت «ربة الخصب»، وكان هذا العيد في أول الربيع وكانت تقام احتفالات بهية للأرض الخصبة والأم رمز الخصوبة والعطاء وربة الخصب عشتاروت.‏

وفي ديانات الشرق القديم كان التبجيل جلياً لفكرة الإخصاب، بمعنى أن الوجود بأكمله يتكون من طرفين متكاملين هما روح الأنوثة الممثلة بعشتار (أورنينا) بالسومري و(عزة) بالعربي، وروح الذكورة الممثلة بتموز ابن المياه وجالبها باللغة السومرية.‏

وكانت الاحتفالات تعم منطقة بلاد الشام والرافدين في بداية الربيع مع اعتدال الطقس وتفتّح الأزهار وجري الأنهار وتساوي الليل والنهار، فكان الخصب الفعل الأساسي الذي منه تنبثق الحياة بكل أشكالها النباتية والحيوانية والإنسانية.‏

ولا تختلف احتفالات مصر القديمة بالأمومة والخصوبة في أول الربيع عنها في سورية، فكان أوزوريس يعد حامل الخصب والبركة لأبناء إيزيس، وكان يوم وفاء النيل -أي الفيضان- هو اليوم الذي قالت عنه الأساطير: إن إيزيس (الأم المقدسة) خرجت فيه لاستقبال أوزوريس.‏

وفي عهد كليوباترا حددت هي عيد الأم بموعد مولد ابنها الأول «سيزارون» مع بداية الربيع واحتفلت الإسكندرية فيه ولأول مرة باستعراض موكب للزهور طاف أحياء المدينة طوال اليوم وعدّت هذا اليوم أول موكب للزهور عرفه العالم.‏

ومن الأساطير الشرقية الأولى لتكريم الأم أسطورة شعب فريجيا بآسيا الصغرى، حيث كانوا يعتقدون أن أهم آلهة لهم (سيبيل) ابنة السماء والأرض، وفي أوروبا القديمة نجد أن اليونانيين القدامى جعلوا يوم الأم ضمن احتفالات الربيع، وفازت الآلهة رهيا بلقب الآلهة الأم لأنها كانت أقواهن، وكان للرومانيين أم لكل الآلهة يطلقون عليها (ماجنا ماتر) الأم العظيمـة، ويحتفل بها في يوم 15 آذار.‏

أما فكرة الاحتفال بعيد الأم في التاريخ الحديث فقد بدأت على يد الكاتبة جوليا وارد هاوي في أواخر القرن التاسع عشر، لكن المؤسسة الفعلية لهذا اليوم فتاة تدعى آنا جارفيس، وبناء على طلبها أقيم احتفال في ولاية فيرجينيا بعيد الأم في 12 أيار عام 1907، وهو أول احتفال بعيد الأم في الولايات المتحدة الأمريكية، وبحلول عام 1909، أصبحت كل ولاية تحتفل بهذه المناسبة بمفردها، وفي 9 أيار 1914 وقّع الرئيس ويلسون إعلاناً للاحتفال بعيد الأم في الأحد الثاني من أيار.‏

وتجري الاحتفالات في بقية دول العالم في أوقات مختلفة، فتحتفل النرويج في الأحد الثاني من شباط، والأرجنتين في الأحد الثاني من تشرين الأول، وجنوب إفريقيا في أول أحد من أيار، والهند في أوائل شهر تشرين الأول، وإسبانيا والبرتغال في الثامن من كانون الأول، وفي السويد وفرنسا آخر أحد في أيار، وماليزيا والمكسيك وأمريكا الجنوبية في العاشر من أيار.‏

وفي الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا واليابان الأحد الثاني من أيار، وفي صربيا يحتفل بعيد الأم في كانون الأول قبل ثلاثة أيام من بداية الكريسماس، وهناك دول تحتفل بعيد الأم.‏

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى