نور الإله الجزء الأول من سلسلة نور التوحيد

إعداد الشيخ سعود جاد الله منذر

إعـداد: الشيخ سعود جادالله منذر

الله جلَّ جلاله

“جاء النور إلى العالم فأحب الناس الظلمة أكثر من محبتهم للنور “.                           (إنجيل يوحنا)                                              

“ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور “

                                 (قرآن كريم (سورة النور 40)

إهـــــــــــــداء

  • – إلى الباحثين عن الحقيقة بنور العقل لينيروا  قلوبهم .   
  • ·       – إلى من سلك طريق العرفان وغاص في أعماق التوحيد ليملك  الدرة الأبدية حكمة  الإمام.
  • ·       – إلى أخوة التوحيد في كل مكان ذوي الألباب الحاضرة والعقول المستنيرة بنور العقل الكلي .
  • – إلى السالكين في دروب التوحيد عبر الأزمنة من البدء إلى يوم الدين .
  • ·       – إلى أهل العقل، المتحررين من المذاهب, والطوائف والشرائع، المحلقين في أفق  النور الإلهي.
  • – إليكم  جميعاً أقدم هذه السلسلة لكي تكون  غذاءً للعقل والنفس وتنتج نوراً يضيء الفكر ويبدد الظلمات التي تحجب عنا طريق الحقيقة .

                                                        سعود جادالله منذر

كلمة لا بد منها :

سلسلة نور التوحيد, إنها مجموعة من الكرَّاسات التي تتحدث عن التوحيد وأهل التوحيد, وهي غير محددة العدد وقابلة للزيادة من قِبَلِ معدَّها. تهدف إلى بث الوعي التوحيدي بين الراغبين المستجيبين لنور العقل, وتصدر إضاءات على العديد من الموضوعات بشكل مختصر وبسيط, علها تساعد على فهم تلك الموضوعات عند الدخول في أعماقها وبشكل موسع. أسأل الله التوفيق في ايصال المعلومة لمن يطلبها والله من وراء القصد, وهو مولانا ونعم النصير المعين.

تمهيد:

معنى النور الإلهي

جاء في القرآن الكريم:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

نتحدّث عن النور الإلهي، وذلك في ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: ما هو المقصود بقوله عزّ وجلّ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ هناك معانٍ ثلاثة لهذه الآية :

المعنى الأوّل: أنّها إشارة إلى «مرتبة الإفاضة»، والمقصود بذلك أنّ النور في الآية المباركة كناية عن الوجود، فالله عزّ وجلّ عندما يقول: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أن الله أوجد من نوره كلمته التي لا تنفصل عنه (العقل الكلي) وجعل كل شيء أراد خلقه داخل كلمته الذي هو من نوره أي جعل بذرة كل شيء داخل العقل الكلي ومنحه الإرادة والتأييد وتنزه عن الخلق. وهذا النور (العقل الكلي) لا ينقطع ولا ينفصل ولا يضعف ولا يشبه أي نور آخر وأنّ وجود السّماوات والأرض بجميع أجزائها وتفاصيلها وشؤونها في العقل الكلي, الذي هو من نوره تبارك وتعالى،   ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ولذلك يقول الفلاسفة هنا: إنّ علاقة المخلوق بالخالق ليست على نحو الجزئيّة ولا على نحو التّرشّح وإنّما هو على نحو الفيض، فهناك فرقٌ بين الجزئيّة وبين التّرشّح وبين الفيض:

  1. الجزئيّة: تشير إلى الشيء المحدد, فعندما نقول بيت, كنيسة, مسجدٌ، فكل حجرٍ من البيت أو الكنيسة أو المسجد هو جزءٌ منها، إذا أخرجته منها نقص منها جزءٌ، حتى لو كان جزءاً صغيراً لا يُرْى إلا بالمجهر، فإذا أخرجته نقص جزءٌ منها، فعلاقة هذه الذرّة الترابيّة أو الصخريّة بها علاقة الجزء من الكلّ.
  2. علاقة التّرشّح: تعني علاقة قطرة من البحر بالبحر ككل، كلّ قطرةٍ من قطرات مياه البحر علاقتها بالبحر علاقة التّرشّح لأنّها قطرة من هذا البحر الكبير، أيضاً هذه القطرة إذا أُخذت  ينقص ماءُ البحر بمقدارها، وإنْ كنا لا نشعر بذلك النقص.
  3. أمّا علاقة الفيض: التي هي ليست مثل علاقة الجزئيّة ولا علاقة التّرشّح، فالفيض لا يمكن حيازته ولا انفصاله عن المصدر (المولى عز وجل) مثال على ذلك علاقة نور الشّمس بالشّمس – وحاشى الخالق أن يكون كمخلوقاته – الشّمس إذا أشرقت دخل ضوؤها إلى داخل الغرفة من نافذتها أو من بابها إن لم يكن هناك عائق، فالنّورُ داخلَ الغرفة علاقته بالشّمس ليست علاقة الجزئيّة وليست علاقة التّرشّح، لأنّ هذا النّور الذي بالغرفة وإن أدركته بإحساسك وبصرك وبجميع حواسّك لا يمكنك فصله عن مصدره، أما علاقة الجزء بالكل تستطيع أنْ تفصله عن الكلّ (تُخْرِج ذرّة ترابيّة من المسجد)، علاقة التّرشّح تستطيع أنْ تفصله عن مصدره (تستطيع أنْ تفصلَ قطرة من مياه البحر عن البحر, تستقل، تصبح هذه القطرة غير البحر)، أمّا علاقة الفيض فلا يمكن فصله عن مصدره أبداً, علاقة الضّوء بالشّمس علاقة الفيض لأنّه عين التعلق، عين الارتباط، عين الاستمداد بالمفيض ألا وهو الشّمس، هذا الضّوء هو مددٌ محضٌ، ربط محضٌ بالشّمس، لذلك لا يمكن فصله عنها أبداً.

فعلاقة المخلوق بالله تعالى تأتي من أن المولى أبدع من نوره العقل الكلي وربط الكون بما فيه بالعقل وجعل أمر هذا الكون يتم من قبل العقل, والعقل مرتبط بنور المولى بشكل دائم, إذاً نحن مرتبطون بهذا النور الإلهي.

المعنى الثاني: أنّ الفقرة الشّريفة إشارة إلى «مرتبة الظهور»، ما معنى مرتبة الظهور؟

الله تبارك وتعالى, شبّه نفسَه بالنور، لأنّ الفلاسفة يقولون: النور هو الظاهر بذاته المظهِر لغيره، ظهور شيء بشيءٍ فرع ظهور المُظهِر لأنّ فاقد الشّيء لا يعطيه، هذا المسجد مثلاً مظلمٌ في الليل، لا يمكن أنْ يظهر إلا بالنور، فالنور مظهِرٌ للمسجد، فلابدّ أنْ يكون النورُ أيضاً ظاهراً، إذ لو لم يكن النورُ ظاهراً في حدّ ذاته لما كان مُظهِراً لغيره، لأنّ فاقد الشّيء لا يعطيه، لذلك قالوا: النور ظاهرٌ بذاته مظهِرٌ لغيره.

هنا الله تبارك وتعالى شبّه نفسَه بالنور، قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يشير إلى مرتبة الظهور.

ما هو معنى مرتبة الظهور؟

مرتبة الظهور بعد مرتبة الإفاضة، بعد أنْ أفاض الوجودَ كله (خلق الوجودَ كله) وجعله داخل العقل الكلي فإنّه جلّ وعلا ظهر لكلّ شيءٍ في الوجود وتجلى لكلّ شيءٍ في الوجود فلا يوجد شيءٌ في الوجود لا يعرفه ولا يوجد شيءٌ في الوجود لم يصل إليه، خلق الوجودَ وعرّف نفسَه للوجود، خلق الوجودَ وتجلى بنفسه للوجود، فهو ظاهرٌ بنفسه ومظهِرٌ لغيره، هو ظاهرٌ وأظهر هذا الوجودَ، فهو ظاهرٌ لكلّ ذرّةٍ في الوجود، وأنت تقرأ الآيات القرآنيّة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ لو كان لا يعرفه كيف يسبّح بحمده؟ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، كلّ شيءٍ يعرفه ولو لم يعرفه لم يسبّح بحمده، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ كلّ شيءٍ يسبّح له، كلّ شيءٍ يعرفه، وما خفي عليه شيءٌ، فهو ظاهرٌ ومتجلٍ في كلّ شيءٍ جلّ وعلا.

ولذلك تجلى المولى لعباده في عباده كعباده صورة, رحمة بهم لأن المولى عزَّ وجلّ لو ظهر بكليته لصعق هذا الكون واندثر لكنه أحتجب في المقام الإلهي (اللاهوت احتجب في الناسوت) وتنزه وتجرد  وهذه إشارة إلى هذه المرتبة (مرتبة التجلي والظهور) .

المعنى الثالث للآية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التّعبير إشارة إلى مرتبة التّوحيد, فمرتبة التّوحيد ماذا تعني؟ نحن عندما نلقي نظرة على الكون كله نرى الكونَ بالكثرة، يعني: أشياء كثيرة، شمس وقمر ونجوم وكواكب وإنسان وحيوان ونبات، والإنسان أنواع والنبات أنواع، وهكذا… فهذه الكثرة موجودة فعلاً وهذه الكثرة واقعيّة لكن أنت تراها كثرة لقصورٍ فيك، وهي ليست كثرة، وهذا ما يعبّر عنه الفلاسفة: الكثرة في عين الوحدة, والوحدة في عين الكثرة، أنت تراها كثرة لكنّها واحدة، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ هذا الكون كله واحدٌ، هذا الشتات الذي أنت تراه كله وتظنّه أنّه كثيرٌ، هذا الكثير كله منتظم تحت خيطٍ واحدٍ، تحت مبدأ واحدٍ، وهو مبدأ الوجود المنطوي داخل العقل الكلي، فجميع المخلوقات, نبات, وحيوان, وإنسان – تشترك جميعها  بما يسمّى الحياة، كلها حياة، هذا الكون كله الذي تراه مشتتاً وكثيراً هو كلّه يشترك في مبدأ واحدٍ اسمه الوجود، كله في خيطٍ واحدٍ، أنت تراه كثرة لكنّ الله يراه واحداً لأنه خلق كل شيء داخل العقل الكلي (كلمته)، وجوداً واحداً، وبما أنّ الوجود كله واحدٌ وليس كثيراً إذن لا محالة مصدر هذا الوجود الواحد, واحد.

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: جمع السّماوات والأرض في مبدأ واحدٍ و وجودٍ واحدٍ يدلّ على وحدانيّته، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، هذه المعاني للآية المباركة ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

المحور الثاني:

لماذا قال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾؟ في البداية  قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم خصّص، فقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فعلماء العرفان يعلمون طريقة الخطاب في القرآن الكريم، فإذا كان المخاطب البشر بصفة عامّةٍ استعملت كلمة «الناس»: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، وهذه الآية  تخاطب كافة البشر وقد حددت كيفية خلق الإنسان وأكدت أنه لا يمكن خلق إنسان إلاَّ من ذكر إنسان وأنثى إنسان قد يقول البعض أن الله قادرٌ على كل شيء نقول نعم لا شك في ذلك لكن الله لا يخالف أمراً أصدره وإن أجزنا ذلك  نكون قد وضعنا المولى في النقص وعدم الكمال لأن إصدار أمر يلغي أمر سابق يعني وجود علة في الأمر السابق ونقوم بتصحيحه وحاشى لله من النقص وعدم الكمال. وفي آية أخرى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، إذاً الخطاب يشمل البشر عامّة لأن تقوى الله واجبة على الجميع، وأن الساعة قائمة على الجميع. أمّا إذا كان الخطاب يخص فئة خاصّة، الفئة التي أظهرت العبوديّة لله، وهي فئة الموحدين التي أظهرت العبوديّة لله، وأظهرت المملوكيّة لله، وأظهرت الإنابة إلى الله، فالخطاب الموجه لهم  يخاطبهم بالعباد، فتارة يضيفهم إلى اسم الجلالة، يقول: عباد الله، ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾، وتارةً يضيفها إلى اسم الرّحمة ﴿عباد الرّحمن﴾، وتارةً يضيفها إلى الضّمير، والضّمير أيضاً يختلف، تارةً ضمير الجمع ﴿عبادنا﴾، تارةً ضمير المفرد ﴿عبادي﴾، وتارةً ضمير الغيبة ﴿عباده﴾ ﴿عبده﴾، هذه كلها ليس بينها فرق، ليس تفنناً في التّعبير، لكن تارةً يفعل هكذا وتارةً يفعل كذا، لأن لكلّ واحدة معنىً.

  1. عندما يضيف العباد إلى الله – يقول: ﴿عباد الله﴾ – فهو يقصد مرتبة الخلوص، العبد الذي أخلص لله ظاهراً وباطناً وجعل أعماله كلها في الله ومن الله وقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾ العبد المخلِص الخالِص نسمّيه عبدَ الله، ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾، ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ هذه إشارة إلى مرتبة الخلوص.
  2. إذا أراد أنْ يعبّر عن العبد الذي يُظهر الرّحمة يقول عباد الرحمن، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ لأنّهم مظهرين الرّحمة, فأضافهم لكلمة الرّحمن.
  3. وأحياناً يضيف كلمة عباد إلى نفسه جلّ وعلا، فإذا أضافها إلى ضميره تارةً يضيفها إلى ضمير المتكلم، يقول: ﴿عبادي﴾, هذه الإضافة ما هي؟ هذه تسمّى عند العرفانيّين: إضافة القبول والإنابة، يعني: إذا قبلني الله فأنا من عباده، ﴿عبادي﴾ مثلما تقول: أولادي، هذه الإضافة فيها حنانٌ، فيها رأفة منه تبارك وتعالى، الإضافة إلى ضمير المتكلم فيها حنانٌ ورأفة، فهي إفاضة القبول والامتنان، ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أنتم عبادي، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ إضافة الحنان.
  4. وأمّا إذا أضاف إلى ضمير الغيبة، قال: ﴿عباده﴾ ﴿عبده﴾ هذه يقولون: إضافة المعرفة، الشّخص الذي يعرف الله حقّ المعرفة يعبّر عنه: عبده، عباده ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ لأنّهم في مقام المعرفة، ﴿كهيعص* ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا* إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ وهكذا …إذن الإضافة إلى ضمير الغيبة هي تدلّ على المعرفة «عبده»، هنا أيضاً يقول: نوره، هذه الإضافة تدلّ على إضافة المعرفة، ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ من يشاء﴾ هذا نورٌ خاصٌ – نور المعرفة – لا يهتدي إليه كلّ أحدٍ، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

كلمة نوره في الآية تعني العقل الكلي.

ما المعرفة؟

–  عالم المعرفة: جاء في الحديث القدسي: كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أنْ أُعْرَفْ فخلقتُ الخلق لكي أُعْرَفْ .

“نحن نهتم بالمعرفة لأنها ذات أهمية جوهرية للحياة التي تتضمن قيمة تجعلها تستحق أن يعيشها الإنسان. وهي ذات طابع تجريدي، بيد أن أهميتها لحياتنا مسألة حيوية بكل تأكيد”.

هكذا ينهي دنكان بريتشارد كتابه الصادر عن سلسلة “عالم المعرفة” في الكويت، بهذا التعليق المختصر.

ويقول مترجم الكتاب مصطفى ناصر في المقدمة: “ربما بدت لنا المعرفة ونظريتها من المسائل البديهية التي لا تحتاج إلى تأمل ودراسة أو حتى الانتباه إليها. ولكن ذلك شيء بعيد عن أن يكون صحيحاً. في واقع الأمر تعتبر نظرية المعرفة من المسائل الفكرية المعقدة التي تتسم كثيراً بالتجريد، وهي فعلاً كذلك، وربما كان هذا هو السبب في العزوف عن التفكير فيها في المقام الأول، إننا إزاء هذه المعرفة كأنما نقف أمام لوحة لبيكاسو في بعض مراحل مشواره الفني نتأملها، وقد نفهم أو لا نفهم أسرار الشكل والألوان. أو كأنما هي رواية من روايات جيمس جويس نريد أن نستوعب معانيها. لكن هل يعني ذلك أن مثل هذه المسائل المعقدة مجرد هراء؟ إن محاولة التعرف على حقيقة وأسرار وجودنا ليست بالمهمة السهلة على الإطلاق ولا هي بالمستحيلة كذلك”.

ويؤكد أن الله تعالى خلقنا في هذه الأرض وميزنا عن جميع مخلوقاته بالعقل والسمع والأبصار والأفئدة التي هي من وسائل المعرفة التي تمكننا من إصلاح الأرض، وأراد منا أن نعرف أسرار الوجود ونسعى إلى الحقيقة. فمن شاء أن يستخدم عقله فليفعل ومن لم يشأ واختار أن يبقى سادراً في دياجير الظلام فذلك شأنه “قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور”.

ومن أول أسرار الوجود هذه المعرفة التي هي مفتاح الحقيقة، ربما يبدو هذا شيئاً يسهل قوله، ولكن بالتأكيد يصعب التطرق إليه وسبر أغواره.

لكن هذا هو قدرنا مع الفكر والمعرفة أن نخوض في بحرها إذا أردنا أن نعرف ما المعرفة.

عالم الأفعـــــال : وهو عالم الوجود، (العقل الكلي)

يقوم الإنسان العادي في حياته اليومية بالعديد من الأفعال (أكل، شرب، رياضة، نوم، كتابة، قراءة، …الخ)، ويمكن لأي إنسان أن يقدم براهين مقنعة تثبت فائدة هذه الأفعال ومعناها وأهميتها، والفائدة، والمعنى، أي الدلالة النهائية الخاصة، وماهية السياق أو الإطار العام للحياة الذي تبدو من خلاله هذه الأفعال معقولة وذات مغزى.

والإنسان يولد في عالم لم يختره، ومع نمو إدراكه تواجهه مسائل الحياة بمصاعبها. حيث يبرز السؤال عن معنى الحياة ويبدو مشروعاً وملحاً لأسباب عديدة، منها: عدم كفاية الحياة الظاهرة، وحتمية الموت. الثابت الوحيد وسط كل المتغيرات، فالكبير يهرم والوردة تذبل والجمال يشيخ، والدول والحضارات تغيب وتتلاشى. فهذه الثغرات الغائرة في التجربة الإنسانية لا يمكن تجاهلها دائماً، ولا يمكن حلّها إلا بوضعها في إطار أوسع يجعلها معقولة، ومقبولة، وذات دلالة من خلال حيوات الانسان عبر الزمن الطويل.

والإجابة على هذا السؤال تمثّل جزءاً مركزياً من وعيه للوجود ضمن تصوراته الدينية والاجتماعية والثقافية التي نشأ في سياقها.   

يحاول بعض الفلاسفة والمنظرين المعاصرين من اللادينيين والملاحدة اختلاس الروحانيات من الأديان، وهي المعاني والوجدانيات التي تشحن باطن الإنسان بالطمأنينة والسكينة المستقرة والرضا المستمر، وتعوضه عن ما يفقد، وتلبي حاجته الداخلية للتعالي على شؤون الحياة الظاهرة ومادياتها المجردة.

وتنطوي محاولة اختراع روحانيات خارج الإطار الديني على دعوى وهي إمكان الفصل بين الشريعة بوصفها منظومة “طقوس”، والروحانيات الداخلية. ورفض “الطقوس”، (أو الشعائر بالمصطلح الإسلامي) باعتبار أنها شكليات ورسوم وتقاليد.

إن معرفة الروحانيات الوجودية توجب الإيمان بالدين الحق، كما توجب الدخول في مجاهدة النفس على أصوله فهي معرفة نابعة من تجربة وجدانية حيّة، وهؤلاء إذا آمنوا بوجود هذا الدين الحق، ولذا هم لم يحصّلوا معرفتهم بالروحانيات إلا بطريق ذهني مجرد.

وكل محبوب سوى الله فهو محبوب لغيره، إما لإحسان أو استحسان خَلق أو خُلُق، أو غير ذلك، ومن كان حبه على هذا النحو فإنه في الحقيقة لم يحبّ  إلا ما يصل إليه من جلب منفعة أو دفع مضرة، وإنما أحبّ ذلك لكونه وسيلة إلى محبوبه، وليس هذا حباً لله ولا لذات المحبوب. وعلى هذا تجري عامة محبة الخلق بعضهم لبعض، ولا يعني ذلك ذمّ جميع المحبوبات، بل المرء مفطور على المودة والانجذاب إلى ما يلائمه، كمحبة صديق أو قريب أو زوجة، وذلك لا يذمّ إلا إذا ألهته هذه المحبة عن ذكر الله، وشغلته عن محبته.

فالحب الفاضل هو ما كان لله وبالله، وهو الحبّ الوحيد الذي يقدّر له الخلود الأبدي، ولا يضره الانقطاع المؤقت بالموت، أما المحبات الأرضية فقلّما تخلو من التنغيص والكدر، فإن كملت انقطعت عن قريب، بملل أو موت أو سوى ذلك.

عالم التوحيــد: وهو عالم أهل النور المقرِّين بالعبودية للمولى الموجود المتجلي لعباده في عباده كعباده صورة ناسوتية رحمة بهم لكي يستطيعوا المشاهدة والاستماع للمولى من هذا المقام الإلهي فأهل التوحيد هم أهل الإقرار والإيمان والحقيقة والبرهان.

إن شرف العلم بشرف المعلوم وعلم التوحيد يتعلق بمعرفة الله وكلمته (العقل الكلي) لذلك هو أشرف العلوم على الإطلاق, فاعلم أنه لا إله الا الله وحده لا شريك له, له العزة وله الملك وهو على كل شيء قدير.


قال العلماء إذا فسد الأصل فسد الفرع, فمن فسدت عقيدته لم يقبل منه أي عمل, لذلك كانت العناية بالعقيدة أهم من العناية بغيرها من علوم الدين, ومن لم يصح ايمانه لم تصح عبادته.

قال الغزالي: لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود.

وقد اشتغل الائمة الأطهار بهذا العلم تلقياً وتعليماً وتفهيماً بعناية كبيرة. وبسبب اهمال الناس لهذا العلم وجد بين الناس من يدعي الاسلام وهو يعتقد أن الله ذكر وأن المطر بوله  ووجد من يعتقد ان الله جسم قاعدٌ على العرش ووجد من يعتقد ان الله حالّ في كل شيء ووجد من يعتقد ان الله ينزل من العرش بزعمه الى السماء الدنيا ثم يعود ووجد من يسب الله  ومن يسب الانبياء ومن يسب الملائكة وكل هؤلاء يظنون بأنفسهم انهم على الاسلام فكيف يكون انقاذ هؤلاء إلا بعلم التوحيد فيجب العناية بهذا العلم اشد من العناية بغيره.

قَالَ اللهُ تَعالى “فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ” أَيْ لا تُشَبِّهُوا اللهَ بِخَلْقِهِ، أَنَّ اللهَ لا يُشْبِهُ غَيْرَهُ في الْكَوْنِ، كَذَلِكَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَسَمْعُهُ لِلْمَسْمُوعَاتِ وَبَصَرُهُ أَيْ رُؤْيَتُهُ لِلْمُبْصَرَاتِ وَكَلامُهُ، لَيْسَ كَعِلْمِ غَيْرِهِ وَقُدْرَةِ غَيْرِهِ وَمَشِيئَةِ غَيْرِهِ وَسَمْعِ غَيْرِهِ وَبَصَرِ غَيْرِهِ وَكَلامِ غَيْرِهِ لأَنَّ اللهَ لا يَتَّصِفُ بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ، عِلْمُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَيْسَ شَيْئاً يَتَجَدَّدُ وَمَشِيئَتُهُ كَذَلِكَ وَقُدْرَتُهُ كَذَلِكَ، أَمَّا الْمَخْلُوقُ فَعِلْمُهُ حَادِثٌ وَمَشِيَئَتُهُ حَادِثَةٌ وَكلامُهُ حَادِثٌ أَمَّا اللهُ تَعالى فَمَشِيئَتُهُ وَاحِدَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ شَاءَ كُلَّ مَا وُجِدَ وَكُلَّ ما سَيُوجَدُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، في الآخِرَةِ تَحْدُثُ حَادِثَاتٌ لا نِهَايَةَ لَهَا لأَنَّ اللهَ شَاءَ لأَهْلِ النور الْجَنَّةِ والْبَقَاءَ فيها وَلأَهْلِ الظلمة النَّارِ والْبَقَاءَ فيها، وَلا يُقَالُ اللهُ شَاءَ كَذَا ثُمَّ غَيَّرَ مَشِيئَتَهُ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لأَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ لا تتغَيَّرُ.

عالم الغيب :عالم الكنز الخفي الذي لا يطَّلع عليه أحدٌ، غيب الغيوب وهو عِلْمُ الله.

من المعلوم أنَّ الإنسان لديه قُدرات عقليّة وبدنيّة أعطاهُ الله إيّاها، ليتأمّل في هذا الكون، وليتفكّر في خلقه وتصريف شؤونه، ومهما بلغَ الإنسان من رجاحة العقل، وقوّة الجوارح، كالبصر، والسمع وغيرها فإنّهُ محدود الإدراك، لأنَّ الكونَ باتّساعه لا تُحيط بهِ مُدركات الإنسان، كما أنَّ ما بعدَ هذا الكون من عوالم وخفايا لا يُمكن للإنسان أن يتصوّرها، لذا فمن الطبيعيّ أن يتمّ تقسيم العالم الذي نعيشهُ إلى عالمين: عالَمٌ نُشاهدهُ بأعيننا وتصلُ إليهِ مُداركنا وعقولنا، وربّما أيدينا فنلمسهُ أو نذوقه، وهو العالم الماديّ المحسوس والمُشاهد, والمعروف شرعاً في الدّين بعالَم الشهادة. وهُناكَ عالَمٌ يغيبُ عن إحساسنا، وإدراكنا وعُقولنا، وجوارحنا وهوَ عالَمُ الغيب.

ـ عالَمُ الشهادة

عندما ترى الأرض بترابها فتلمسهُ بيديك، وتلتقطُ زهرةً من الحُقول الخضراء التي تراها بعينيك فتشمّها بأنفك، وتتأمّلها ببصرك، ويتناهى إلى سمعك صوت الطيور، وهي تُغرّد في سمائِكَ الزرقاء فهذا عالَمُ الشهادة، عندما ترى النُجوم بعينيك في السماء فأنت تُشاهدها، وحتّى لو غابَ بعضُها عن عينيك ورأتهُ التلسكوبات العملاقة، وأظهرتهُ لك ورأيته عندها بعينيك، فقد أحطتَ به فأصبحَ عالَماً مُشاهداً أيضاً، عندما ترى أطوار الجنين تتخلّق عن طريق المجاهر الدقيقة جدّاً فأنت قد شاهدتَ ما كانَ غائباً عن غيرك في السابق، فالشهادة هيَ كلّ ما قد يتوصّل إليه حسّ الإنسان ومُشاهدته، فقد يكون ما غابَ عن من هُم قبلكَ معلوماً محسوساً لديكَ اليوم، وهذهِ هي العوالمُ المًشاهدة التي نستطيع إدراكها ويعلمها الله جلّ جلاله، ولكن ماذا عن عالَم الغيب.

البشر العاديّون لا يعرفون الله إلا من خلال عالم الأفعال الذي يعيشون فيه فقط. أما الأولياء الصالحين وأهل النور اخترقوا وتجاوزوا عالم الأفعال، ليصلوا إلى عالم التوحيد بعد المعرفة اليقينية الناتجة عن المشاهدة الحقيقية والبرهان. أما العالم الرابع الذي يخص علم الباري عزَّ وجلَّ فهذا يعبّر عنه القرآن بمفاتح الغيب، غيب الغيوب، لا يصل إليها أحدٌ، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، فإذن المعرفة لها درجات، لذلك إذا قال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ إشارة إلى مرتبة من مراتب المعرفة. وكلمة من يشاء عائدة على من يشاء الهداية من خلقه.

المحور الثالث:

النور الإلهي  الذي منه وجد نور العالم (العقل الكلي) الذي أنار قلوب من أحب النور وكره الظلمة ووحد المولى العلي جلَّ ذكره. وهذا النور له صفات، ينبغي علينا أنْ نكتشفها.

الصفة الأولى : العمومية

هذا النّور لا يختصّ بأوليائه فقط بل يضيء لغيرهم، قال تبارك وتعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، النور الإلهي لا يمكن أن يتقوقع، النور الإلهي لا يمكن أنْ يُحْصَرَ في منطقةٍ معيّنةٍ، النور الإلهي امتدادٌ، ولذلك الأولياء قدوة للناس جميعاً لأنّهم يعيشون امتدادَاً للنّور، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ يدِيهِمْ﴾، إذن النور يسري، نور الأولياء، نور المؤمنين الموحدين بالله تبارك وتعالى .يسري أمامهم ومعنى الآية الحقيقي هو أن نور العقل الكلي موجود دائماً في هذا الكون لا يفارقه طرفة عين والانسان الذي يعتقد بالظاهر والباطن فإنه مثل الشخص الميت وعند خروجه من الظاهر والباطن إلى التوحيد فإنه يحيى ويجعل الله له هادياً (نوراً) وهو العقل الكلي أي الإمام الأعظم يسير معه ويجعله على الصراط المستقيم. والإنسان الموحد يدخل النور إلى قلبه ويصبح جزء من نور العقل الكلي, أما الكافر فإنَّ نور العقل يعم ما حوله ولكن قلبه مظلم لذلك الظلمة تعم الإنسان الكافر بكليته ما ظهر منه (الجسد) وما خفي (حقيقته). 

الصّفة الثانية: لهذا النور الخَلوص: الذي يختصّ به المؤمنين الموحدين والأولياء, لذلك قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ لماذا زيتها يضيء؟ لأنّه زيتٌ خالصٌ، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ زيتٌ خالصٌ، النّور الإلهي نورٌ خالصٌ لا يشوبه ضعفٌ، لا يشوبه نقصٌ، لا يشوبه عدمٌ، كله إيمانٌ، كله توكّلٌ، كله رحمة، كله قربٌ من الله، ليس مثل من ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ أعمالهم خالصة نقيّة، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ الخلوص لله، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

الصفة الثالثة هي البركة:  قال: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾  أي أن  المؤمن أينما يذهب يطرح البركة، يقولون: له حظ وبالحقيقة هي ليست حظًاً، بل بركة وتوفيق من المولى ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾.

 الصّفة الرّابعة: أنّ النور الإلهي ثابت، ولكن يدخل إلى قلوب من أراد النور حسب استعدادهم ورغبتهم وتقواهم. والآية القرآنيّة تقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ سبيلاً بعد سبيلٍ، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.

وفي الرواية الشّريفة… ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ نسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا على توحيده وأن يجعلنا مع الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والحمد لله ربّ العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى