إذا ماتوا … انتبهوا ! ألمٌ و أمل- صابر ابو راس

إذا ماتوا انتبهوا … ألمٌ و أمل

اختتمت مؤسسة مواطنون فنانون بالتعاون مع جمعية البراعم لرعاية الطفولة, أعمال ورشة المسرح التفاعلي التي أقامتها في السويداء و امتدت لثلاثة شهور, لتدريب مدربين في المسرح التفاعلي من شريحة الشباب العاملين في الجمعيات الإنسانيّة الاجتماعية المختلفة لتطوير قدراتهم في استخدام المسرح التفاعلي كوسيلة علاجيّة و ترفيهيّة و التعامل مع مشاكل الحياة بأساليب جديدة و إيجاد الحلول لها من خلال التحدث عنها..! وتُعد هذه التجربة هي الأولى من نوعها على هذا الصعيد في السويداء لتدريب مدربين في مجال المسرح التفاعلي.

المخرجة رغد شجاع (أكاديمية مجازة من المعهد العالي للفنون المسرحية- قسم الدراسات المسرحية, دمشق) و المختصّة في هذا النوع من المسرح أشرفت على الورشة التي نَتَجَ عنها عرض مسرحي, نص و اخراج شجاع و استمر عرضه ليومين على خشبة سينما بلانيت في السويداء.

إذا ماتوا انتبهوا…! كان العنوان العريض الذي لعبت المخرجة لعبتها من خلاله, لمعرفة آراء الناس بالتفاعل معهم , حيث قدّمت مشاكل الشباب السوري بأسلوبٍ شبهِ مباشر, طارحةً التساؤلات على الجمهور الذي لم يُصدق اللعبة للوهلة الأولى, من ثم تفاعل معها بشكلٍ مذهل و وَ قَعَ في فخ أن أصبح هو الممثل و بدأ بَوحَهُ لمجرد تسليط الضوء عليه !

عائلة أبو شادي هي عائلة سورية بإمتياز “الآن”, و بشكل أدق هي كل عائلة سورية اليوم ! وهذا ما تعمدت شجاع طرحهُ, و أتقنت لعبتها البسيطة و المعقّدة في آنٍ معاً حين تطرقت لــِ “سندويشة الفلافل و السمّاق”, “السيروم”, “طرحة العروس”, “سيغارة ساره” و “إجهاض لينا” لتُقدم المشاكل في تداعٍ دراميٍ واقعي يحصل كل يوم في البيوت السورية المسكونةِ بالإرباك, ولا يجمعها إلا واقعة الوفاة !

وكما أسلفت, لم يَعِ الجمهور للوهلة الأولى الفخ الذي نصبتهُ شجاع, علماً أنها نَوَّهت و برأس الصفحة “في بطاقة عرضها” بأن الجمهور سيتحول إلى ممثلين وطلبت منهم الاستعداد ليكونوا كذلك, وما لبثوا أن غرقوا في أدوارهم حين تحدثَ كل شخص منهم حول رأيه بالأحداث التي تحصل أمامه على الخشبة التي صار بدورهِ جزءاً منها, بل و أكثر من ذلك, سيَما حين صاروا يدافعون عن الشخصيات التي هي فعلاً شخصياتهم ! لنجد أن معظم جمهورنا لا يقرأ .. بل يشاهد فقط !

ولا بأس في ذلك, فقد ساعد هذا في سهولة تجرد الجمهور من شخصياته الوهمية التي يحيا بها ! وعاشَ حقيقياً لأربعين دقيقة, و تعامل مع الأحداث بطريقةٍ -في الغالب- لن يتعامل بها في حياته الحقيقية, و على صعيدٍ آخر.. كان من اللافت للإنتباه تَقَبُل الحضور لآراءِ بعضه البعض, رُغم اختلاف الشرائح العُمرية و وُجهات النظر ! حيث كانت الصدورُ رَحبة “وهذا ما لانجدهُ في الواقع عموماً..” وهنا لعبَ المسرح التفاعلي دوره الحقيقي في فتح أفق الحوار لعلاج المشاكل التي تحيط بنا بطريقةٍ حضارية واعية تبحث الحل, لا تبحث المشكلة ! رسالة شجاع كانت ” جئنا نطرح و نتساءل و نفكر و نغير” و هذا ما فعلته بأمانة طوال فترة ورشتها -التي تابعتُها عن قُرب- وكان نتاجُ أمانتها, صدقُ النِتاجِ الذي خرجت بهِ ! علماً أن المؤدين ليسوا بممثلين موهوبين, لكنهم على أقل تقدير كانوا صادقين بإمتياز و قدموا للجمهور شخصياته الأصلية -إن جازَ التعبير- برغمِ الصعوبات التي عانوا منها كأشخاصٍ ليسوا على معرفة عميقة بأصول و قواعد اللعبة المسرحية من ناحية, و لأنهم خاضوا غمارَ نوعٍ خاصٍ من المسرح, من ناحيةٍ أخرى..

وفي سياق رسالتها اقتبست شجاع عن رواية زوربا اقتباساً يقول: “ننقذُ أنفسنا بمحاولتنا إنقاذ الآخرين” و عملت بهِ على صعيد الورشة و أنقذت نفسها و من معها ! وكان هذا واضحاً على فريق المُدربين “المتدربين” الذين خرجوا من شرانقَ ضيقة كانت تخنقهم! ليفردوا مشاكلهم أمام الجميع بعفويّة. وهذا هو الهدف الأسمى الذي كانت شُجاع تسعى لتحقيقه, فدعوتها كانت التغيير و حياة أفضل !

“الناس نيام … إذا ماتوا انتبهوا !” اقتباسٌ ختمت شجاع به رسالتها, واطلقت العنان لمسرح المقهورين ليؤسس علاقةً جديدة بينه و بين مشاهديه “المقهورين” ساعيةً بهِ للبحث عن الحل الاجتماعي و إشراك الجميع باللعبة, فالرُكح ملك للجميع على حدٍ سواء !

جمهور “إذا ماتوا انتبهوا” كان ممتناً لـِ شُجاع و فريقها, و تمنوا لو أن شجاع أسهبت أكثر في الطرح و الحوار و تناول الإشكاليات التي تَح دُث في واقع مجتمعنا السوري اليوم, ولا عجبَ في ذلك, فقد خلقت شُجاع بيئة نقاشٍ واعية و حضارية بشروطٍ صحيّة, بيئة نحن اليوم أحوج ما نكون لنعيش بها, علّنا نخرج بدورنا إلى حياةٍ أفضل!

بطاقة العرض.

المتدربون:

أصالة الصحناوي- داليا أبو حمدان- راوية شجاع- ريم حمزة- سحر عامر- شاهية الشمعة- عقبة القنطار- غنوة عبيد- كاترين عامر- فادي البنّي- ميساء أبو شديد- منوة عبد الباقي- ندى عبيد- ولّادة المحيثاوي- هبة علم الدين- يارا واكد- ضياء أبو عرار

تصميم فني: جيهان عمار.

منفذ صوت: مهند كنج.

منفذ اضاءة: بهاء أبو زيدان- مساعد اضاءة: خالد شلغين.

نص و إخراج: رغد شجاع.

زر الذهاب إلى الأعلى